حاجتنا إلى فقه الواقع
كتب / جمال زوارى أحمد
إن من أخص سمات التحرك السليم والمأمون العواقب في حياة الدعاة ، ضرورة فقه الواقع بآلياته ومكوناته وتناقضاته والعناصر المؤثرة فيه والموجهة له ، سواء كانت مادية أم معنوية ، تاريخية وجغرافية وإجتماعية وإقتصادية وسياسية وفكرية وثقافية.
لأن الجهل بالواقع أو فقهه على غير حقيقته ، يفضي إلى عواقب وخيمة وغير مأمونة ، فالسلوك الصحيح والتصرف السليم، لايعدو أن يكون ثمرة للتصور الصحيح للواقع.
وفقه الشرع كذلك لابد أن يصاحبه فقه الواقع ، أو مقتضى الحال بالمصطلح الفقهي الأصولي ، حيث لايمكن الفصل بينهما في صناعة الحكم الشرعي ، والفتوى خاصة في النوازل والمتغيرات ، وقد ذكر العلامة إبن القيم رحمه الله: [أن الفقيه هومن يزاوج بين الواجب والواقع] .. وقد فقه علماؤنا قديماً هذا التزاوج ، وتعاملوا بمقتضاه مع كل الأقضية التي حدثت لهم في زمانهم ، فهذا الإمام إبن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله صاحب كتاب الخلاصة الفقهية المشهورة في الفقه المالكي ، يقتني في عهده كلبا للحراسة مخالفا ما أثر عن صاحب المذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله من كراهية ذلك .. فلما لامه من لامه على مخالفته لإمام المذهب قال: [لو كان مالك فى زماننا لأتخذ أسداً ضارياً] .. يعني أن الواقع قد تغير وأختلف.
لذلك فإن التعامل مع الواقع بمنهجية صحيحة وسليمة ، وفقهه بمقتضى هذه المنهجية أمر في غاية الأهمية ، ومقام الشهادة على الناس الذي أوكله الله عز وجل إلى هذه الأمة ، وهو من مقتضيات التفضيل والتمييز الذي منحها المولى سبحانه لها، ومقام الشهادة لابد له من الشهود والحضور ، إذ لاشهادة لغائب أو بعيد ، أو شهود كغياب كما قال الإمام علي رضي الله عنه وهو يصف بعض أصحابه ، ولايمكن أن يتحقق هذا الشهود والحضور لمن لايفقه واقعة أو يتجاهله أو ينعزل عنه ، وقد أكد المفكر المبدع مالك بن نبي رحمه الله هذه الحقيقة لمّا قال: [فالواقع أن الشاهد في أساسه هو الحاضر في عالم الآخرين ، والصفة الأولى المكتسبة لإثبات قيمة أي شهادة ، هي حضور الشاهد ، إذا كان متعينا على المسلم أن يقوم بالدور الملقى على عاتقه في الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} .. (البقرة 143) .. فهو مجبر على الحياة في إتصال وثيق بأكبر عدد من الذوات البشرية ومشاكلها كذلك ، ومن ثمّ يتعين على حضوره أن يعانق أقصى حد ممكن في المكان ، لكي تعانق شهادته أقصى كم ممكن من الوقائع ، وعلاوة على ذلك فإن المسلم في هذه الحالة ليس صاحب دور سلبي محض ، إذ أن حضوره نفسه يؤثر على الأشياء وعلى أعمال الآخرين ، فعندما يكون الشاهد حاضرا ، يمكن لحضوره فحسب أن يغير من سير الأحداث ، وأن يجنب الوقوع في المحظور، وعلى هذا فإن رسالة المسلم في عالم الآخرين لا تتمثل في ملاحظة الوقائع ، ولكن في تبديل مجرى الأحداث ، بردها إلى إتجاه الخير ما استطاع] .. (1).
مستلزمات الفقه السليم للواقع:
1- المتابعة المستمرة والمبصرة .. والإلمام بمكونات الواقع ومستجدّاته المتتالية.
2- المرونة .. وذلك بإنسجام الأفكار والأقوال والأفعال والمواقف مع ما تقتضيه المرحلة .. من غير تجاوز للضوابط الشرعية .. ولامصادمة للحقائق الواقعية.
3- سعة الأفق وبعد النظر .. والتقدير الصائب للإحداث وتحليلها وتقييمها.
4- التحلّي بالحكمة .. وهي كما عرفت: (فعل ماينبغي .. على الوجه الذي ينبغي .. في الوقت الذي ينبغي).
5- ألمعية الذهن وسرعة البديهة .. وذلك بالإبتعاد عن العقلية التي إشتكى منها الشاعر:
أقول له عمراً فيسمع خالداً .. ويقرؤها زيداً ويكتبها بكراً
فاللبيب تكفيه الإشارة .. وتغنيه العبارة
6- الموازنة والقياس والتمحيص والتنقيح والغربلة والتصفية .. عملاً بنصيحة الإمام إبن تيمية رحمه الله لتلميذه إبن القيم: [لاتجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة .. فيتشربها لاينضج إلا بها .. ولكن إجعله كالزجاجة المصمتة .. تمر الشبهات بظاهرها .. ولاتستقر فيها .. فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته .. وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها ، صار مقرا للشبهات] .. (2).
7- دراسة التجارب بأنواعها .. دراسة نقدية بناءة لتجنب العثرات .. وإستثمار الإيجابيات .. وقد صدق الرافعي رحمه الله لما قال: [إذا أردت أن تأخذ الصواب .. فخذه عمّن أخطأ] .. (3).
8- معاشرة الآخرين على أحسن ما معهم .. أشار إلى هذه القاعدة الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله: [والبصير الصادق من يضرب فى كل غنيمة بسهم .. ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها] .. (4).
9- التكيف الإيجابي وعدم التعامل بسياسات ردود الأفعال .. وقد ذكر الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله أن: [الظروف تستطيع تكييفنا .. ولا تستطيع بإذن الله إتلافنا] .. (5) مع ضرورة توفر المناعة العلمية والفكرية والتربوية.
10- التحرر من ذهنيات الإنغلاق: (ذهنية المغالبة والتحدى - ذهنية الإنكماش والإنغلاق على الذات - ذهنية التكبر والإستعلاء على الآخر- ذهنية فكر المحنة - ذهنية الأحكام المسبقة - ذهنية الغلو والتشدد - ذهنية الرفض والتعصب المقيت - ذهنية التهوين والتهويل - ذهنية الأسود والأبيض - ذهنية البساطة والسطحية ... إلخ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- فكرة كمنويلث إسلامي .. مالك بن نبي (ص72 ).
2- مفتاح دار السعادة .. إبن القيم (ج 1 .. ص 257).
3- وحي القلم .. الرافعي .. (ج1 .. ص 279).
4- مدارج السالكين .. إبن القيم (ج2 .. ص 39).
5- آثار إبن باديس .. (ج5 .. ص9).
_______________
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "ما عُلم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبتة؛ بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأملتُ ذلك في عامة ما تَنازع الناسُ فيه، فوجدت ما خالف النصوصَ الصحيحة الصريحة شبهاتٍ فاسدةً يُعلَم بالعقل بطلانها؛ بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع".وقال: "والقول كلما كان أفسد في الشرع، كان أفسد في العقل، فإن الحق لا يتناقض".
وقال أيضاً: "وأما المؤمن المحض فيعرض له الوسواس، فتعرض له الشكوك والشبهات وهو يدفعها عن قلبه، فإن هذا لا بد منه".